سيد قطب رحمه الله اختلف في
منهجه الكثيرون , فالبعض أسماه مكفرا والبعض الآخر أسماه مشبها والبعض الاخر أسموه
متكلما ؛ والأدهى من ذلك والأَمَر أن البعض يكفره ويمزق كتبه ويكفرونه ويسمون كتابه
( في ظَلال القرآن ) الظَّلال بالفتح !! علما بأنه حمل لواء الجهاد في سبيل الله
بالكلمة الصادقة - كما نحسبه والله حسيبه - ومات وهو على كلمة الحق التي دعا إليها
.
فما صحة ما يقوله المتقولون ؟
أما عن سيد قطب فقد قرأت معظم كتبه ، وإن شئت فقل : كل كتبه ، كما قرأت كثيراً مما
كُتِبَ عنه , ولعل أوفى كتاب في هذا الباب هو كتاب ( سيد قطب من الميلاد إلى
الاستشهاد ) للدكتور صلاح الخالدي ، وللدكتور عناية خاصة بالأستاذ سيد ، وآخر
مؤلفاته حوله رسالة كبيرة نشرت ضمن سلسلة أعلام المسلمين .
والملحوظ أن الناس في سيد ، وفي غيره ، يكون فيهم المتوسط المعتدل الذي ينظر بعين
الإنصاف والتجرد والتحري ، ويكون فيهم المتطرف الذي يقع في التعصب والهوى ؛ وسيان
أن يكون التعصب ضد الشخص مما يحمل على رد الحق الذي معه وتصيد الأخطاء عليه وتفسير
كلامه على أسوأ الوجوه وعدم الاعتبار بالمتقدم والمتأخر من كلامه … أو أن يكون
التعصب له مما يحمل على أخذ أقواله بدون تحفظ ، والغفلة عن أخطائه وعثراته ،
والدفاع عنه بغير بصيرة ، بل : وربما اعتقاد العصمة في المتبوع بلسان الحال ، أو
بلسان المقال .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود : (الكبر بطر
الحق وغمط الناس) .
والذي يخاف الله يتورع عن أعراض عامة المسلمين ، فضلاً عن خاصتهم من أهل العلم ،
والدعوة والجهاد والدين .
والذي أدين الله به أن الأستاذ سيد قطب من أئمة الهدى والدين ومن دعاة الإصلاح ،
ومن رواد الفكر الإسلامي ... سخّر فكره وقلمه في الدفاع عن الإسلام ، وشرح معانيه ،
ورد شبهات أعدائه ، وتقرير عقائده وأحكامه ، على وجه قلّ من يباريه أو يجاريه في
هذا الزمان .
وكان حديثه حديث المعايش الذي لابس همّ الإسلام قلبه ، وملك عليه نفسه ، قد شغله
الحزن على الإسلام ، والغضب له ، حتى عن ذاته وهمومه الخاصة .
وكتابه الظلال يعتبر إضافة كبيرة لدراسة التفسير ، واستطاع فيه أن يستوعب كثيراً
مما كتبه المتقدمون ، وأن يبنى عليه رؤيته الخاصة المتميزة ، وفهمه الثاقب ، ودرسه
الغزير ، وأن يقرن آي الكتاب بحياة الناس المعاصرة حتى يشعر قارئه أن القرآن ليس
كتاباً نزل لبيئة خاصة في المكان والزمان ، ولكنه هداية للناس أجمعين ، أياً كان
زمانهم أو مكانهم .
ولقد استفاد الأستاذ سيد من تفسير ابن كثير فائدة غنية ، ونقل عنه ، وربما اعتمد
عليه خصوصاً في باب المرويات والأقاويل ، بل وفي أوجه الاختيار والترجيح .
كما انتفع بما كتبه الشيخ محمد رشيد رضا في المنار فيما يتعلق بربط هداية القرآن
بنتائج العلم والبحث الإنساني والاجتماعي والعمراني ، وفيما يتعلق بالتجرد عن
التعصب والتقليد .
ولكن يبقى الظلال شيئاً آخر ، غير هذا وذاك 0
نعم ؛ ليس الكتاب تفسيراً لآيات الأحكام ، ولهذا فهو لا يغني عن مثل كتاب القرطبي
أو ابن العربي أو الجصاص أو غيرهم , خصوصاً للمهتمين بمعرفة المذاهب الفقهية ،
والترجيح بينها وليس تقريراً مفصلاً أو تعليمياً لكليات العقيدة وجزئياتها ، فهو لا
يغني عن قراءة ما كتبه الإمام الفذ ابن تيمية ، أو تلميذه العَلَمْ ابن القيم ، في
تقرير العقيدة ، والذب عنها ، ومناظرة خصومها .
بل ووقع في الظلال عثرات في هذا الباب وفي غيره ، ولكنها يسيرة إلى جنب ما فيه من
الخير والعلم والإيمان 0
ومن ذلك - تمثيلاً - اضطرابه في باب الاستواء كما يعرفه من راجع تفسير هذه الآية في
مواضعها السبعة المعروفة , ووقع منه في بعضها أن الاستواء كناية عن السيطرة
والاستعلاء ، وهذا خطأ ، والصواب أن الاستواء ، كما قال مالك : معلوم ، من حيث
المعنى ، مجهول ، أو غير معقول ، من حيث الكيفية ، وقد ذكر الأئمة في معناه : العلو
، والاستقرار ، والارتفاع ، والصعود ، والله أعلم.
ومن ذلك أنه يسمى توحيد الألوهية - الذي هو توحيد العبادة - باسم توحيد الربوبية ،
ويسمي توحيد الربوبية باسم توحيد الألوهية ، وهذا خطأ في اللفظ ، لكنه رحمه الله
كان شديد الوضوح في إدراك هذه المعاني والحقائق وتقريرها .
ومن ذلك أنه كتب فصولاً موسعة في موضوع الدعوة ومنهجها , والموقف من المجتمعات
المعاصرة ، وكتب ذلك بعاطفة مشبوبة ولغة قوية وغيرةٍ على الدين وعلى المسلمين ..
حملها بعض قارئيه ما لا تحتمل من المعاني واللوازم , وتعاملوا معها على أنها نصوص
تقرأ بحروفها وألفاظها ، وتحفظ وتتلى ويستشهد بها في مواطن النزاع ، ومضايق الجدل
والمناظرة والخصام .
وبنى بعض هؤلاء على هذه القراءة الحرفية الضيقة تكفير الناس كافة ، أو التوقف
بشأنهم أو الهجرة من ديارهم ... إلى أين ؟ لا أدري !
وبنى آخرون عليها فكرة الانفصال عن المجتمعات وترك العمل فيها واعتزالها ، وفهمت
كلمة سيد - رحمه الله - عن ( العزلة الشعورية ) بتكثيف قوي ، وترميز شديد ، جعلها
بؤرة العمل والانطلاق .
والحق أن القراءة الحرفية الظاهرية لتراث كاتب ما ، ليست أمراً خاصاً وقع مع سيد
قطب رحمه الله وحده ، لكنها مشكلة تراثية يعاد إنتاجها الآن مع عدد كبير من رموز
العلم والفقه والدعوة والاجتهاد ، من المتقدمين والمعاصرين.
ولقد يكتب العالم بحثاً ، أو يقدم اجتهاداً ، أو ينتحل رأياً في مسألة ، وينتصر له
بحسب ما توفر لديه آنذاك ، فيأتي الخالفون فيقرؤون نصه بقدسية تأسر عقولهم ، وتجعل
همهم مقصوراً على إدراك النص وفهمه ، ثم تقريره وتوسيع دائرته ، ثم الاستشهاد له
ومدافعة خصومه .
ولذلك يدري كل أحد ، أن الأئمة ، أصحاب المذاهب ، الفقهية وغير الفقهية ، لم يكونوا
يشعرون أنهم يؤسسون مذهباً ، ويقيمون بناءً خاصاً ، راسخ القواعد ، مكتمل الأركان ،
حتى جاء من بعدهم فأصّل وفصّل ، وجمع النظير إلى النظير ، وتعامل مع كلام الأئمة
بحرفية بالغة ، بل عدّ بعضهم كلام الإمام ككلام الشارع ، من جهة المنطوق والمفهوم ،
واللازم ، والقياس عليه ، والناسخ والمنسوخ ، والظاهر والنص .... الخ . هذا مع شدة
نهي العلماء عن التقليد ، حتى إن منهم من كان ينهى عن تدوين آرائه الفقهية ، ويحذر
من تناقلها .
وكلما كان العالم أوسع انتشاراً ، وأكثر أتباعاً ، وأوغل في الرمزية - لأي سبب -
كان الأمر بالنسبة له أشد ، وكانت المشكلة أظهر ، لكنها تخف تدريجياً بتقدم الزمن ،
ولو من بعض الوجوه . هذه ليست مشكلة العالم أو المفكر ، بقدر ما هي مشكلة القارئ أو
المتلقي ؛ وأياً ما كانت فهي مما يحتاج إلى بحثٍ ودراسة 0
وقديماً كان علي رضي الله عنه يقول قولته المشهورة : يهلك فيّ رجلان : غالٍ وجاف 0
والخلاصة : أن سيد قطب وغيره من أهل العلم يؤخذ من قولهم ويترك ، ويصيبون ويخطئون ،
ويردون ويرد عليهم ، وهم إن شاء الله بين أجر وأجرين ، ولئن حرموا أجر المصيب في
عشر مسائل ، أو مائة مسألة فلعلهم - بإذن الله - ألا يحرموا أجر المجتهد .
ومن أفضل ما كتبه سيد قطب كتاب ( خصائص التصور الإسلامي ) ، والذي ظهر جزؤه الأول
في حياته ، وأخرج أخوه الأستاذ محمد قطب حفظه الله جزءه الثاني بعد وفاته . وهو
كتاب عظيم القدر في تقرير جملة من أصول الاعتقاد ، معتمداً على نصوص الكتاب الكريم
بالمقام الأول ، مؤيداً لها بحجج العقل الظاهرة ، راداً على مقالات المخالفين
والمنحرفين . وفيه رد صريح ومباشر على أصحاب مدرسة وحدة الوجود ، والحلولية ،
وأضرابهم ، وحديث واضح عن الفروق العظيمة بين الخالق والمخلوق ، وبيان أن هذا من
أعظم خصائص عقيدة التوحيد ، كما بينها الإسلام . فلا مجال مع هذا لأنه يحمل أحد
الفيض الأدبي الذي سطره سيد في تفسير سورة الإخلاص على تلك المعاني المرذولة ، التي
كان هو رحمه الله من أبلغ من رد عليها ، وفند شبهاتها .
وأذكر من باب الإنصاف أن أخانا الشيخ عبدالله بن محمد الدويش رحمه الله تعالى لما
أشار عليه بعضهم بتعقب الظلال ، واستخراج ما وقع فيه ، فكتب مسوّدة كتابه ( المورد
العذب الزلال ) ورد على ذلك الموضع في سورة الإخلاص ، فبلغني أنه فهم منه تقرير
مذهب وحدة الوجود ، فبعثت إليه مع بعض جيرانه بالموضوع المتعلق بذلك من كتاب
الخصائص والذي هو بيان جلي للمسألة لا لبس فيه ، فكان من إنصافه رحمه الله ، أن
أثبت ذلك في كتابه ، ونقل عن الخصائص ما يرفع اللبس .
علماً أن الحري بالباحث إجمالاً أن يفهم كلام الشيخ أو العالم بحسب ما تقتضيه نصوصه
الأخرى فيرد بعضها إلى بعض ، ويفسر بعضها ببعض ، ولا يتمسّك بكلمة يضع لها أقواساَ
، ثم يعقد لها محكمة ! وقد يخطىء المرء في اللفظ وهو يريد معنى صحيحاً ، كما وقع
للذي قال : اللهم أنت عبدي وأنا ربّك ، يريد : أنت ربي وأنا عبدك ، وما كفر بذلك
ولا أثم بل لعله كان مأجوراً مثاباً .
ومن المعلوم المستفيض أن سيداً رحمه الله مرّ في فكره وحياته بمراحل مختلفة ، وكتب
في أول حياته مجموعة كتب أدبية مثل : كتب وشخصيات ، مهمة الشاعر في الحياة ، طفل من
القرية ومجموعة من الدواوين الشعرية . وكتب مجموعة من الكتب الإسلامية مثل :
التصوير الفني في القرآن ، مشاهد القيامة في القرآن ، العدالة الاجتماعية في
الإسلام .
ثم في مرحلة النضج كتب الخصائص , المعالم , الظلال , هذا الدين ، المستقبل لهذا
الدين ، الإسلام ومشكلات الحضارة ... وربما كتباً أخرى نسيتها .
ومع ذلك كان يتعاهد كتبه بالتصحيح والمراجعة والتعديل - كما هو ظاهر في الظلال خاصة
- حيث كان يعمل فيه قلمه بين طبعة وأخرى ، وهذا دأب المخلصين المتجردين .
وليعلم الأخ الكريم الناصح لنفسه أن الوقيعة في آحاد الناس ، فضلاً عن خاصتهم ، من
أهل العلم والإصلاح والدعوة من شر ما يحتقب المرء لنفسه ، ولا يغتر المرء بمن يفعل
ذلك ، كائناً من كان ؛ لأن الحساب في القيامة بالمفرد لا بالقائمة 0
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
سلمان بن فهد العودة
22/6/1421 هـ
شكبة الصحوة الإسلامية