الضمير الأمريكاني واللّعبة الأمريكية
أخيراً يتكشّف ضمير ( الولايات المتحدة ) الذي تعلقت به أنظار كثيرة في الشرق
وحسبته شيئاً آخر غير الضمير الإنجليزي والضمير الفرنسي ، وسائر الضمائر الأوروبية
المعروفة .
أخيراً يتكشف ضمير ( الولايات المتحدة ) هذا ، فإذا هو ككل شيء أمريكي آخر ( ضمير
أمريكاني )
أمريكا نسخة عن أوروبا :
ولقد كان الكثيرون مخدوعين في هذا الضمير لأن الشرق لم يحتك طويلا بأمريكا كما احتك
بإنجلترا وفرنسا وهولندا ، فلما بدأ الاحتكاك في مسألة فلسطين تكشّف هذا الخداع عن
ذلك الضمير المدخول الذي يقامر بمصائر الشعوب ، وبحقوق بني الإنسان ، ليشتري بضعة
أصوات في الانتخاب .
وكلهم سواء أولئك الغربيون : ضمير متعفن، وحضارة زائفة ، وخدعة ضخمة اسمها
(الديمقراطية) يؤمن بها المخدوعون .
تلك كانت عقيدتي في الجميع ، في الوقت الذي كان بعض الناس يحسن الظن بفريق ويسيء
الظن بفريق ، وكانت أمريكا في الغالب هي التي تتمتع بحسن الظن من الكثيرين .
فها هي ذي أمريكا تتكشف للجميع ، هذا هو ( ترومان ) يكشف عن ( الضمير الأمريكاني )
في حقيقته ، فإذا هو نفسه ضمير كل غربي ، ضمير متعفن ، لا يثق به إلا المخدوعون .
إنهم جميعاً يصدرون عن مصدر واحد ، هو تلك الحضارة المادية التي لا قلب لها ولا
ضمير ، تلك الحضارة التي لا تسمع إلا صوت الآلات ، ولا تتحدث إلا بلسان التجارة ،
ولا تنظر إلا بعين المُرابي ، والتي تقيس الإنسانية كلها بهذه المقاييس .
كره الأمريكيين ومن يثق بهم :
كم ذا أكره أولئك الغربيين وأحتقرهم كلهم جميعاً بلا استثناء : الإنجليز ،
الفرنسيون ، الهولنديون ، وأخيراً الأمريكان الذين كانوا موضع الثقة من الكثيرين.
إنها الجريمة ، تلك التي يقترفونها كل يوم في حق شعوبهم المسكينة ، جريمة التخدير
والتغفيل ، وإنامة الأعصاب على الأذى ، وهدهدة الآمال الباطلة ، والأمانيّ الخادعة
، في ذلك الضمير المأفون .
جحر الأفاعي الأوروبية :
يقول نبي الإسلام الكريم - صلى الله عليه وسلم - : (لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين)
، وها نحن أولاءِ نلدغ من الجحر الواحد مرات ، ثم نعود في كل مرة إلى هذا الجحر
نفسه ، مغمضي الأعين نتطلب (الشهد) من جحور الأفاعي ولا نجرب مرة واحدة أن نحطم هذه
الجحور ، وأن ندوس هذه الأفاعي ، وأن ننفض عن نفوسنا ذلك الوهم الذي يقودنا المرة
بعد المرة إلى تلك الجحور .
إنها الجريمة ، تلك التي نعاودها مرة بعد مرة ، الجريمة في حق النفس ، والجريمة في
حق العقيدة ، والجريمة في حق الوطن ، إنها الغفلة التي لا يستحق صاحبها الاحترام
وهو يشهد على نفسه بالتغفيل .
غفلة الحكام والسياسيين :
ولكن من الحق أن لا نصُم الشعوب العربية بهذه الوصمة ، إن هذه الشعوب لأذكى وأشد
حمِية من أن ترضى لنفسها بالهوان ، ولكنها تلك الحفنة من ساسة الجيل الماضي ببعض
البلاد العربية . تلك الحفنة الرخوة المسنة الضعيفة المتهالكة ، المهدودة الأعصاب ،
لا تقدر على الكفاح ، ولا تدع الشعوب تكافح ، لأن أنانيتها الأَثرة تمسكها عن
الانسحاب من الميدان وتركه للقادرين .
جناية المفاوضات :
هذه الحفنة من ساسة الجيل الماضي هي التي اخترعت كلمات : المفاوضات والمحادثات ،
والمؤتمرات ..
لماذا ؟
لأنها وسيلة سهلة لا تكلّف شيئاً ، وتضمن كراسي الحكم والسلطة فترة من الزمان ،
وكلما همت الشعوب أن تسلك طريقها ، وأن تواجه المستعمرين بذاتها حال هؤلاء بينها
وبين المستعمرين ، ووقفوا من دونهم يصارعون الشعوب ، وتصارعهم الشعوب ، فإذا أتعبهم
الصراع مع شعوبهم راحوا يبثّون في الأمة روح الثقة بالمستعمرين ، وراحوا يشيعون
الآمال الخادعة في هذا الضمير المدخول .
تلك هي القصة ، قصة الجحور والأفاعي ، قصة اللدغ المتكرر من هذه الجحور ، وإنها
لمأساة ، ولكن من العدل أن نبرئ منها الشعوب العربية ، فلا تؤخذ بجريرة حفنة من
الساسة .
سمات الضمير الأمريكاني :
لقد كان الكثيرون يفهمون أنه شيء آخر غير الضمير الأوروبي ، فأراد الله - ولعله
لخير هذه الأمة العربية المنكوبة - أن يكشف عن ذلك الضمير .. إنه ضمير مادي ، ضمير
الآلة التي لا تحس ، وضمير التاجر الذي لا يتورع ، ولا يهمه حق ، ولا عدل ، ولا
حياء ، وهل تملك تلك الآلة أن تنشئ إلا ضميراً من هذا القبيل ؟ .
أبناء حضارة مادية :
ليست المسألة مسألة جنس ولا دولة ، فليس الأمريكان خيراً من الإنجليز ، وليس
الإنجليز خيراً من الفرنسيين ، وليس الفرنسيون خيراً من الهولنديين .. كلهم أبناء
حضارة واحدة ، حضارة مادية بغيضة لا قلب لها ولا ضمير ، حضارة تأخذ ولا تعطي ،
وتجرح ولا تأسو ، حضارة أنانية صغيرة مهما بدت من الخارج ضخمة ذات بريق وضجيج .
إنها حضارة زائفة لأنها لم تقدم للإنسانية زاداً من الروحية ، ولم تحاول رفع
الآدمية عن قانون الوحوش ، وهل تطبق هذه الحضارة مع شعوب الأرض المنكوبة إلا قانون
الوحوش ؟ .
ثم يوجد بين أمم الشرق غافلون أو خادعون يثقون بأصحاب هذه الحضارة ، ويراودون
شعوبهم على الثقة بذلك الضمير ! ويثبطون عزائمهم عن الجهاد الحاسم ، والكفاح المثمر
في أنسب الظروف !!
صوت خافت هناك :
وبين ضجيج الآلات يرتفع بين آن وآخر صوت إنساني خافت في تلك الربوع ينادي بالعودة
إلى الله ، كذلك الصوت الذي أرسله الكردينال (جريفان) في إنجلترا منذ أيام ، حين
ألقى في كاتدرائية (وستمنيستر) عظة دينية فقال :
(لقد أُبعد الله عن ميثاق الأمم المتحدة ، وهذا هو السبب في أن الأمم المتحدة لم
تستطع إلى اليوم أن تصبح "متحدة" فعلاً ، وإنه لينبغي أن يكون لله ومبادئه القائمة
على الإحسان والعدالة مكان في الشؤون الدولية حتى تصبح الحرية حقيقة في العالم
بأسرة ، ويعيش الإنسان في ظل السلام والأمن ..) .
ولكنه صوت خافت لا يُسمع في ضجيج الآلات التي تغشى على صوت الضمير ، ونغمة مبحوحة
لا تُسمع بين صراخ المطامع ، وعواء الشهوات ، في ذلك العالم الهائج الشعور .
طريق الخلاص وطريق الهلاك :
والآن - أيها الشرق - ماذا تريد ؟.
فأما إذا كنت تبغي الخلاص من براثن الوحش الغربي ، فهناك طريق واحد لا تتشعب فيه
المسالك ، فهو أقرب طريق ، اعرِف نفسك وراجع قواك ، واستعد للصراع ، وابدأ في
الكفاح ، ولا تستمع إلى صوت خادع يوسوس لك بالثقة بضمير الغرب المدخول . وأما إذا
كنت تبغي الراحة مع ذلك الجيل المكدود المهدود من الساسة المترفين الناعمين ،
فأمامك طرق كثيرة ذات شُعب ومسالك ، وذات منعرجات ودروب . هناك : المفاوضة ،
والمحادثة ، وجس النبض واستطلاع الآراء .
وهناك الديبلوماسية الناعمة الرقيقة ، والكلمات الظريفة ، وهناك الانتظار الذي لا
ينتهي ، والاستجداء الذي لا يغني . وهناك المؤتمرات الحافلة . والموائد المستديرة ،
وهناك الكتب البِيض ، والكتب الزّرق ، والكتب الخُضر ، وما لا ينتهي من الطرق
والمنعرجات والدروب .
الأمل والعمل :
والحمد لله - أيها الشرق - لقد تكشّف لك القناع عن آخر ضمير (الضمير الأمريكاني)
الذي كانت تتعلق به الأنظار ، أنظار الغافلين والخادعين .
والحمد لله - أيها الشرق - إن شمسك الجديدة في شروق ، وشمس هذا الغرب الفاجر في
غروب ، وإنك تملك من الرصيد الروحي ، ومن ميراثك القديم ما لا يملكه هذا الغرب
المتطاحن ، الذي يأكل بعضه بعضاً كالوحوش ، لأنه يحكّم قانون الغابة فيما يشجر بينه
من شقاق لا ينتهي ، وهل ينتهي الشقاق في الغابة بين الوحوش ؟ .
إنها الفرصة السانحة – أيها الشرق – للخلاص فانفض عنك رجال الماضي الضعفاء
المنهوكين ، وأبرز نفسك للميدان ، فقضايا الشعوب في هذه الأيام لا بد أن تعالجها
الشعوب . وما قضية فلسطين إلا قضية كل شعب عربي ، بل كل شعب شرقي ، إنها الصراع بين
الشرق الناهض والغرب المتوحش ، وبين شريعة الله للإنسان وشريعة الغاب للوحوش .